دعني أبدأ برحلة فلسفية سريعة، فهي متعرجة بعض الشيء لكنها ستقودنا في النهاية إلى حديثنا عن الذكاء الاصطناعي في التسويق. في كتابه الضخم الصادر مطلع القرن العشرين، “من الفجر إلى الأفول”، وصف المؤرخ جاك بارزون العصر الحديث بكلمة “الانحطاط”. لم يكن يقصد بذلك المعنى الأخلاقي المعروف، بل عرّفها بأنها “تراجع” أو عدم القدرة على إنتاج أي شيء جديد في الثقافة والأفكار، والاكتفاء بإعادة تدوير الماضي. رأى بارزون أن هذه الحالة تمثل فقداناً لـ”الإمكانية”، حيث تم استنزاف كل شيء، فلا يتبقى سوى “الملل والإرهاق”.
إذا كنت تظن أن هذا الوصف لا ينطبق على القرن الحادي والعشرين، فكر مرة أخرى. فقد تناول الكاتب روس دوثات هذه الفكرة في كتابه “المجتمع المنحط” الصادر عام 2020، بحجة أننا ضحايا نجاحنا، وأن كل فكرة أصلية قد استُنفدت، مما حاصر الثقافة الحديثة في فخ الانحطاط. وهنا تكمن المفارقة: بينما نعلق آمالاً عريضة على الذكاء الاصطناعي لإنقاذنا من هذا الفخ، نجده هو نفسه يعيد تدوير المعرفة الموجودة مسبقاً عبر نماذجه اللغوية الضخمة. إنه جوهر الانحطاط بعينه.
وهم التكنولوجيا الجديدة والوعد بعالم مختلف
الأمل في أن تقتحم التكنولوجيا هذا السياج ليس بالأمر الجديد. لقد كان هذا الشعار يُرفع مع كل موجة ابتكار تكنولوجي بعد الحرب العالمية الثانية. تذكر معي بعض المفاهيم الرنانة التي سمعناها على مر السنين: القرية الكونية، الطريق السريع للمعلومات، اقتصاد المعرفة، الويب 2.0 والميتافيرس. كلها وعود بولادة جديدة لم تحدث بالشكل الموعود. أنا شخصياً لم أكن بمنأى عن هذه الضجة، ففي عام 2012 بدأت أتحدث عن “الإعلان للخوارزميات” كمستقبل حتمي. كنت محقاً في التوقع، لكنني بالغت في وصفه كنقطة تحول جذرية، بينما هو مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التطور التدريجي.
التقدم ليس إعادة اختراع. العالم تغير كثيراً بالفعل، لكنه لم يتغير بالقدر الذي نحب أن نعتقده. كل فكرة من الأفكار المذكورة كانت جزءاً من عرض دوغلاس إنجلبارت الشهير في مؤتمر الحاسوب عام 1968. وحتى ذلك العرض كان تجسيداً لمفاهيم دارت في الأذهان لعقود.
ظل القرن الخاص والركود الاقتصادي
يصف الاقتصادي روبرت غوردون المئة عام بين 1870 و1970 بأنها “قرن خاص”، نما بسرعة وتغير جذرياً بفضل تقنيات عامة لمرة واحدة مثل محرك الاحتراق الداخلي والكهرباء والطيران. كل حياتنا الحديثة مبنية على هذه الأسس، وكل شيء مشتق منها، وبالتالي فهو منحط بطبيعته. الاقتصادي بول كروغمان قدم ما يسمى “اختبار المطبخ”، وأشار تايلر كوين إلى “اختبار الجدة”، وكلاهما يوضح أن التغيرات في نمط حياة الطبقة المتوسطة منذ الخمسينيات طفيفة مقارنة بما حدث بين عام 1900 ونهاية الحرب العالمية الثانية. هذا ما يسميه الاقتصاديون “الركود”، وهو مرادف للانحطاط.
لماذا قد يكون الذكاء الاصطناعي تكراراً وليس ثورة
لماذا نعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون مختلفاً؟ إجابتي الساخرة هي أنه جعل “الواجب المنزلي” أسهل. ما يبدو جديداً لنا هو فقط جديد بالنسبة لنا شخصياً، لأننا لم نؤد واجبنا بالبحث والدراسة. إجابتي الجادة تتمحور حول البيانات والتكاليف. مؤخراً، حضرت جلسة نقاش لمؤسسين حول استخداماتهم للذكاء الاصطناعي. جميعهم أشاروا إلى التحليل الفوري والسرعة، ولكنهم اتفقوا أيضاً على أن قيمة الذكاء الاصطناعي تعتمد كلياً على جودة وكمية البيانات. فالبيانات المحدودة هي العائق أمام تحقيق قفزة نوعية. بدون بيانات جيدة ووافرة، لن يقدم الذكاء الاصطناعي سوى تحسينات تدريجية، وليس تغييراً جذرياً. الإبداع الخارق يحتاج إلى بيانات مبتكرة، وليس فقط تطبيقات أفضل.
النماذج الأفضل لن تحل المشكلة الحقيقية. ما يميز علامة تجارية عن أخرى في عصر الذكاء الاصطناعي ليس القدرات التقنية نفسها، بل البيانات التي تغذيها. كل شركة ستحصل على نفس القدرات الأساسية، ولكن النتائج المتفوقة تحتاج إلى بيانات تدريب أفضل. نعرف هذا من تجارب الماضي. ابتكارات القرن العشرين جاءت من قفزة هائلة في فهمنا للعالم، أي ثورة في البيانات وطريقة عمل الأشياء.
اقتصاديات التشابه وتكلفة التميز
أصبحت التكلفة أقل من أي وقت مضى لتصبح “متابعاً سريعاً” للعلامات الرائدة، مما يجعل التشابه استراتيجية اقتصادية مربحة. في المقابل، أصبحت تكاليف اختراق الانحطاط والإتيان بفكرة جديدة باهظة الثمن بشكل لا يُطاق. دراسة لخبراء اقتصاد من جامعة ستانفورد أظهرت أن التكلفة الحقيقية لابتكار فكرة جديدة تضاعفت 23 مرة منذ الثلاثينيات. الفاكهة السهلة قُطفت من زمن بعيد، وغالبية الأفكار الحالية هي تقليد ميسور التكلفة. الفكرة الجديدة حقاً تكلف أكثر مما تستطيع الشركات تحمله، خاصة عندما تكون فكرة المتابعة لا تزال تحقق أرباحاً.
وهنا يأتي السؤال الذي يطرحه الجميع: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الإبداع الأصلي في متناول اليد مجدداً؟ أظهرت التطورات الأخيرة أن الذكاء الاصطناعي قد يكون أرخص في مراحل الاكتشاف والتجارب الأولية، خاصة مع تطورات مثل البيانات الاصطناعية. لكن التكاليف التشغيلية والحوسبية ترتفع بشكل جنوني، مما دفع العديد من الشركات إلى كبح إنفاقها على هذه التقنيات لحين انخفاض أسعار الرموز الحاسوبية (Tokens). في الوقت الحالي على الأقل، لم يغير الذكاء الاصطناعي معادلة الابتكار الجذري.
مع ذلك، هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع توجيه الأعمال نحو الابتكار الخارق. ربما سيكون محفزاً لتركيز أكبر على جودة البيانات الأساسية. وربما سيقلب منحنى التكلفة لصالح الأصالة والإبداع. إن حدث ذلك، ستعود قصة “الإمكانية” لتتردد صدقها في الثقافة والأعمال. في عالم التسويق الإلكتروني والأعمال، الفارق الحقيقي لا يأتي من مجرد استخدام أداة ذكاء اصطناعي، بل من الإستراتيجية التي تتبناها لتحويل البيانات إلى قصص فريدة.
إذا كنت تطمح لبناء وجود رقمي حقيقي، من موقع إلكتروني يجذب الزوار إلى محتوى يبيع، فإن الأساس يبقى هو الفهم العميق للسوق والمستهلك. نحن في “Your Marketing Bank” نقدم لك ذلك من خلال خدمات تصميم المواقع وتحسين محركات البحث والتسويق الرقمي، إلى جانب دورات متخصصة في التسويق بالعمولة، كل ذلك تحت إشراف المدرب الشهير نحمي سبيتي، لضمان حصولك على الميزة التنافسية الحقيقية في عالم مشبع بالتشابه. عالم التسويق الرقمي يتغير بسرعة، لكن مبادئ التميز تبقى ثابتة: فكرة أصلية مدعومة ببيانات ثرية يتم تقديمها بطريقة تلمس قلب المستهلك.
ربما يكون الذكاء الاصطناعي هو المفتاح الذي سيعيد “الإمكانية” إلى حياتنا، ولكن فقط إذا تذكرنا أن الأداة لا تضاهي الفكرة التي تقف خلفها. المستقبل ليس في آلة تكرر الماضي، بل في عقل بشري يستخدمها لبناء شيء لم يُرَ من قبل. ونحن هنا لمساعدتك في بناء هذا المستقبل.